Normal
0
false
false
false
EN-US
X-NONE
AR-SA
MicrosoftInternetExplorer4
/* Style Definitions */
table.MsoNormalTable
{mso-style-name:”Table Normal”;
mso-tstyle-rowband-size:0;
mso-tstyle-colband-size:0;
mso-style-noshow:yes;
mso-style-priority:99;
mso-style-qformat:yes;
mso-style-parent:”";
mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt;
mso-para-margin:0cm;
mso-para-margin-bottom:.0001pt;
mso-pagination:widow-orphan;
font-size:11.0pt;
font-family:”Calibri”,”sans-serif”;
mso-ascii-font-family:Calibri;
mso-ascii-theme-font:minor-latin;
mso-fareast-font-family:”Times New Roman”;
mso-fareast-theme-font:minor-fareast;
mso-hansi-font-family:Calibri;
mso-hansi-theme-font:minor-latin;
mso-bidi-font-family:Arial;
mso-bidi-theme-font:minor-bidi;}

بــــــــــين قوســــــــــــــــين
قراءة في ( مختارات في الحب والحرية )
" إذا اتسعت الرؤية .. ضاقت العبارة "
النفري
محمد عطية محمود
تبدو العلاقة بين الكاتب وثقافته اللصيقة به من خلال تجربته الحياتية المرتبطة بكل ما يدور في فلكه ويمر به، دالا على مدى تغلغل الحس المعرفي والجمالي، كبوتقة تتجمع فيه سُلافة الثقافات المتعددة، ومعانقة كل فنون الكلمة من نثر وشعر وسرد ومقال، مع ما تصبغ به الحياة وتجاربها سمت الكاتب وروحانيته المستمدة من عبق التاريخ والفلسفة وسائر علوم الحياة المقروءة والمسموعة والقولية، وتراثها المكتوب والشفاهي. لكن ما يميز هذا المتح من مفردات الحياة ومعانيها ودلالاتها التي هي رأس حربة الكلام ومهاجمه الأول بلا منازع ، هو تلك النزعة الحسية الشفيفة التي تمتلك الكاتب المرهف، وتملك عليه كيانه، بحيث يتوحد مع هذا الفيضان من الكم المعرفي والجمالي والعلمي على حد السواء، ليخرج بفلسفته ورؤيته الثاقبة للحياة في داخله، ومن حوله..
***
( عندما نجمع الكتب فإننا نجمع السعادة.. فنست ستاريت)
من هذا المنطلق تأتي "مختارات في الحب والحرية " التي عانقت الكلمة مفردة ًومعنىً ودلالةً لتصنع نسيجا حياتيا شكل وجدان الكاتب كما شكل وجدان الإنسانية والقومية من قبل على حد السواء؛ فالمختارات تمتح من هذا الحس الإنساني الذي لا يفرِّق بين قديم وحديث، ويجعل منهما على حد السواء متكأ ً ومخزناً يفوح بعبير الكلمات صياغة ولحنا متميزا يتهادى إلى الأسماع ويشنف الآذان ويوقظ العيون وتشده له الأفواه مستحسنة لهذا التقاطر النغمي التي تصنعه خبرة الحياة المختزلة من حيوات السابقين والمعاصرين والمحدثين، من خلال الدلالات التي تطرحها فضاءات النصوص أو العبارات المتسعة على رحابة العالم من خلال عدد صغير من الكلمات ربما اختزل خبرات مئات السنين، فربما أدى المد الصوفي في هذه الاختيارات إلى هذا الإحساس المقترن بمقولة النفري " إذا اتسعت الرؤية.. ضاقت العبارة " وذلك مما ينطبق على الأغلب الأعم من تلك المختارات التي تمايزت بين فنون القول والسرد من شعر ونثر وسرد وحكمة بليغة وقول مأثور، والتي تطرح دلالاتها في فضاء المعرفة، ومن ثم فضاء التخييل واتساع المعنى الذي ترومه العبارة البليغة من خلال ما تطرحه علاقاتها مع الحياة.. فالحياة ذاتها هي كلمات بين قوسين ربما اتسعت بينهما مساحات الكلام وترهلت وربما اختزلت لتحتوي العالم؛ ومن هنا تأتي رؤية الكاتب التي يضمنها تقديمه مارا على فكرته البليغة التي ربما كانت البذرة التي نبت منها هذا الكتاب:
" كان من عادتي حين أقرأ أي كتاب أن يكون بجانبي قلم فإذا مررت بجملة فيها فن وإبداع قوستها ثم كتبت رقم الصفحة في أخر ورقة منه وحين أفرغ من قراءته أنسخ المقوسات في دفتر خاص وهكذا تجمعت لي على مدى إحدى وعشرين عاما من القراءة مادة تفيض على عشرة أجزاء كبيرة من المختارات "
إذن فهي رحلة مع الكتب ومع ما تحمله بين دفتيها من عصير للروح واستجلاب روح الحياة وتثبيت لحظاتها الفاتنة الآسرة، من خلال هذا التراث أو الكم الذي يعانق الكيف بنوع من التوحد والانصهار، وهو ما يؤكد على التوجه الذي أراد الكاتب أن يقتفي أثرها، مقتفيا أثر الجمال في المعنى والمبنى على حد السواء، فالحكمة التي تحرك هذا الفيض من الكلام هي حكمة أزلية تستكشف العوالم المتعددة التي ربما جسدها كتاب، ربما كان ما بقى منه كلمات معدودات آسرات خلدت صاحبها وخلدت جزئية من جزيئات الحياة:" إن كل كتاب هو مفتاح، نعم مفتاح لباب تدخل منه إلى عالم يقذف بك إلى عالم آخر.."
***
جماليات الكلمة شعراً
يمثل الشعر بأبياته الدالة البليغة، محورا هاما من محاور هذه المختارات التي تعانق معاني الجمال والرهافة إلى جانب احتفائها بعنصري الحرية والحب المتلازمين في علاقة توحد يؤصلها العنوان ويرسخ لها بدلالته، فالحب قرين الحرية، والحرية هي جناحا الحب المرفرفين.
يبرز التضاد كجمالية من جماليات الشعر ومحسناته من خلال هذه الصورة المختزلة من شعر إلياس فرحات، حيث يتناص مع بيت الشعر العربي القديم الذي يحمل تعبير " والضد يظهر حسنه الضد ":
" فلرب قلب كالحمامة أبيض / للخير يخفق تحت جلد أسود "
فالقلب هنا يتوق للحرية، وحريته هي هذا الخفقان / النبض الدال على تمكن الحياة منه، وهو الأبيض بدلالة النقاء، تحت الأسود / الضد بدلالة الشدة و البأس والمعاناة من مأساة اللون كعنصرية حادة.
كما نجده أيضا فيما اختاره من شعر "الوليد بن يزيد" ، ببراعة اللعب على أوتار المقابلة بين الطول والقصر، والتأرجح بين السبات والأرق، دالا على حالة التوتر التي تثيرها الكلمات والمعاني وتنطلق بها في فضاء النص:
" لا أسأل الله تغييرا لما فعلت / نامت وقد أسهرت عينيَّ عيناها
فالليل أطول شيء حين أفقدها / والليل أقصر شيء حين ألقاها "
أو ببراعة التحول التي تسوقها الدلالة اللونية كما في قول (شاعر)
" إذا شاب الغراب أتيت أهلي / وصار القار كاللبن الحليب"
أو في قول عنترة العبسي:
" لئن أك أسوداً فالمسك لوني / وما لسواد جلدي من دواء
ولكن تبعد الفحشاء عني / كبعد الأرض عن جو السماء "
كما تأتي صيغة التصغير بمعنى التدليل المحبب إلى النفس في القصيدة المصغرة لصفي الدين الحلي، على نحو ما يقول :
" نُقَيْط من مُسَيِّكٍ في وُريد / خُويلك أو وُسيم في خُدَيِّد
وذياك اللويمع في الضُحيا / وُجَيهك أم قُمير في سُعَيِّد"
كما تأتي بلاغة التعبير الملتبسة بين المعنى المجرد والمعنى الضمني التي تطرحه دلالات الأبيات على نحو ما يقدم من انتقاءات شعرية يتمازج فيها الإيقاع الصوفي بشتى صوره المتماسة مع الحياة وواقعها الصرف.. هذه العملية التي تتماهى فيها عناصر أخرى من عناصر الانصهار والتوحد، كما يأتي من شعر البهاء زهير في قوله:
" ليس عندي ما أقدمه/ غير روح أنت تملكها
ولقد أمست على ريق/ فعسى بالوصل تدركها"
أو في اجتماع قضاء الحوائج كلها، في (واحد) يعكس سلطتين مادية وروحية في وقت واحد، وهو ما يدعو إلى التماس شقين من شقوق المعنى المجازي والواقعي، الواقعين بين رحى الكلمات التي تتشابك لتعطي هذين الوجهين / التأويلين، كما في قول (شاعر):
" لمختلفي الحاجات جمعٌ ببابه / فهذا له منـــه وهذا له مـــــنه
فللخامل العليا وللمعدم الغنى / وللمذنب العتبى وللخائف الأمن"
أو ما تأتي به الصورة الشعرية البليغة في قول إلياس فرحات:
" والخد يعلم ما في الخد من حرق / وليس تعلم ما فيه المناديل "
أو عملية التماهي التي تنتج من العلاقة بين القمر والمحبوبة وهذا التوحد والالتباس والارتباك التي يحدثها فضاء الصورة الشعرية من خلال هذا التكوين المُهَنْدس بعلاقات ضمنية بين وجه المحبوبة ووجه القمر، كما في قول (أعرابي):
" ما زال القمر يرينيها / فلما غاب أرتنيه"
كما تبدو سمات التمسك بالأصالة العربية وشممها وإبائها من خلال بلاغة الأقدمين، حيث تبلغ الصورة البليغة مداها فيما انتقاه الكاتب من شعر "الأعمى التطيلي" في وصف الرمح كأداة هجوم وقتال مواجه، كسمة من سمات البطولة العربية التي هي مجد الأولين، وتراث المقيمين المحدثين:
" جرى الدم في متنيه بدءً وعودةً / كما كان يجري فيهما الماء من قبلُ
فأصبح ميَّاداً وقوسه الكلى / كما كان ميَّاداً ومغرسه الرملُ"
وهو ما تنطبق عليه براعة الوصف التي سار فيها الشاعر العربي مسيرات مكللة بالبديع من المفردات، وارتقى فيها إلى مراتب الحس الذي يؤنسن الجماد والحيوان، كما في وصف "الطرماح" للثور :
" يبدو وتضمره التلال كأنه / سيف على شرف يُسلُّ ويُغمدُ "
أو ما نجده في قول "ابن المعتز":
" القطر نبل والغدير سوابغ / والبرق بيض والغمام بنود"
أو ما نجده في قول المعتمد بن عبادة، مسجلا وناقشا شيم البطولة ومغاويرها الخالدين في تاريخ يزخر بهم، شاهدا على عصر جديد بلا أبطال، في إشارة عكسية يأتي بها هذا البيت من شعر "المعتمد بن عبادة":
" ما سرت قط إلى القتال وكان من أملي الرجوعُ / شيم الأولى أنا منهم والأصل تتبعه الفروعُ"
كما تأتي الحكمة المختبئة في أبيات الشعر وقوافيه من خلال ما أبدعته قريحة شاعر فحل مثل المتنبي الذي تورد له المختارات هنا هذا البيت الشعري المشبع بالمعاني و الدلالات التي تعطي أبعادا كبيرة لها تتسق مع طرفي الحكمة و البلاغة الشعرية/ اللفظية:
" وهكذا كنت في أهلي وفي وطني / إن النفيس نفيس أينما كانا "
أو ما تنطوي عليه دلالات المعنى التي تسوقها أبيات الشاعر الفحل ابن الرومي حين يقول :
" وإذا أتاك من الأمور مقدر / فررت منه فنحوه تتوجه "
وربما نجدها في قول ( شاعر ) خُلِّدت أبياته ولم يخلد اسمه، دلالة على أثر الكلمة التي لا تموت بموت صاحبها أو غيابه:
" أجلك قوم حين صرت إلى الغنى/ وكل غنى في العيون جليل
إذا مالت الدنيا إلى المرء حولت / إليه ومال الناس حين تميل "
كما نعود لنعرج ما جاءت به المختارات من حس متأصل في نفس كاتبها، ربما تمتح منه كما أسلفنا هذه المختارات، وقد عبقت بها غالبية سطورها وصفحاتها، وهو ذاك المد الصوفي الذي يضرم نار الوجد ظاهرا وباطنا، لتنتقي لنا المختارات هذا البديع وهذا النقع الصافي من شعر "الفيتوري" شاعر ليبيا والعرب الكبير، دالا على مدى الاندماج و الالتحام و التوحد مع الكلمة ودلالاتها ومعانيها وتطويعها لصنع هذا المزيج المتماهي:
( في حضرة من أهوى/ عبثت بيّ الأشواق
حدقت بلا وجه/ ورقصت بلا ساق
وزحمت براياتي/ وطبولي الآفاق
عشقي يفني عشقي/ وفنائي استغراق
مملوك.. لكنني/ سلطان العشاق)
فالبلاغة التي أتت بها هذه الأبيات / السطور الشعرية فاقت مئات الأبيات التي تلعب على هذا الوتر الصوفي، ومن هنا جاء حسن الاختيار ليجمع بين فرادة المعنى وبراعة الاختزال، وضيق العبار
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ