المفارقة السردية في القصة القصيرة جداً
كتبهاالشاعر والصحافي خالد درويش ليبيا ، في 2 أغسطس 2007 الساعة: 17:40 م

المفارقة السردية في القصة القصيرة جداً
( حكايات ) زيد الشهيد انموذجاً
عبد علي حسن / ناقد من العراق
( 1 )
ما الذي يجعل من قصة دون أخرى " قصيرة جداً " ؟ وأخرى " قصة قصيرة " وأخرى " رواية " وأخرى تقوم على تداخل بين أجناس معرفية متباينة ؛ فتنزع عن عنوانها صفة ( القص ) لتدخل اللااجناس فتكون نصاً مفتوحاً ؟ .. وليس هناك غير جواب واضح لهذه الأسئلة ؛ وهو ما دامت التسميات قد اجترحها العقل المعرفي للإنسان فلا بدَّ أن يكون لكل منها قواعده التي تنظمه وقوانينه الداخلية بكل مستوياتها الاسلوبية والبنائية والدلالية لتمنحه هذه الصفة أو تلك . وبدون الاحتكام لهذه الأنظمة فان المنجز السردي يبقى عرضةً للانتهاكات الاصطلاحية .. والفوضى التي لا يشفع لها أي نظام إن كان لها نظام . وما دامت هنالك قصدية تسميات وحدود اجناسية فانَّ الحديث عن هذا الجنس أو النوع أو ذلك يبدو مبرراً ومقنعاً كيما يصار إلى وضع مجسات حقيقية وصائبة لمنجزنا الإبداعي والسردي منه خاصة ليضاف في منطقة التحديث وما تلاها من مشاريع سردية حملت مسؤولية الخطوة التحديثية الثانية بجدارة عبر تخليق واكتشاف التحولات السردية الجديدة – في الرواية خاصة - التي نقلت السرد العراقي إلى مناطق اشتغال جمالية ومعرفية أشرت تطوراً وتقدماً ملحوظاً على صعيد امتلاك القاص العراقي معرفة باصول لغته الروائية نالت الإعجاب والتقدير لمقدرته على التحاور مع منجز الآخر . وعود على بدء سنحاول الإجابة عن السؤال الأول الذي يدخل في فضاء عنوان الدراسة التي جعلت المفارقة السردية في القصة القصيرة جداً مدخلاً لبحث النظم الفاعلة في هذا النوع من السرد القصصي وليكون عتبة للدخول إلى مجموعة القصص القصيرة جداً ( حكايات عن الغرف المعلقة ) للقاص والروائي زيد الشهيد الصادرة عن دار " ازمنة " الاردنية عام 2003 .. هذا القاص الجنوبي الذي بدأ مشواره الإبداعي في العراق عام 1994 وفضَّل استكماله مهاجراً بحثاً عن فضاء ابداعي اكثر حريةً ، جاعلاً سنوات القهر والاستلاب معيناً لا ينضب لحكايات وروايات ومشاريع شعرية ومنجز كفيل بتكريس هذا الانشداد والارتباط ببلده .
( 2 )
تقوم القصة القصيرة جداً على رصد حدث أو جزء من حدث يقع في مدة زمنية لا تتجاوز اليومي بجمل قليلة تكثّف لحظة التصعيد في نهاية القصة لتأخذ شكل المفارقة ممّا يستدعي المتلقي لاعادة القراءة التي تنطوي على تفاعله مع الجزء الأول من القص ليجد تبريراً لعملية الخروج عن النسق السردي الذي خلق المفارقة عبر انتتاج الدلالة . فالجزء الأول منت القصة يتضمن سرداً عادياً بعيداً عن أية تضادّات درامية حتى ليخيل للمتلقي أن ما يتلقّاه بعيد عن الانفعال التعبيري ، وغالباً ما يلجأ القاص إلى نحت جمل سردية تشي بقيم جمالية على المستوى البلاغي عبر تخليق الصور اللغوية المنحرفة عن معيار اللغة النثرية في محاولة لتقريب وتكثيف المسرود للمتلقي ليتواصل حتى الجزء الثاني المتضمن للمفارقة . ولعلَّ هذه البنية – المفارقة – الحل المناسب جداً لنهاية القصة القصيرة جداً مثلما هو حل لقصيدة ( الومضة ) . ومن المفيد أن نذكر بهذا الصدد بأن هدف القص لا يتحقق في - المسرود - وعملية تهميشه هو بمثابة تهيئة المتلقي لتلقي المفاجأة في الخروج عن السياق السردي المتوازي مع وعي المتلقي ليظهر هدف السرد مجسداً في تخليق – المفارقة – من خلال جملة سردية تملك قدراً من الانحراف على صعيد اللغة اليومية ومستوى سير السرد – الجزء الأول – فقدرة السرد الفنية ورسالتها في هذا النوع من القصص تتركز في الجزء الثاني وهو – المفارقة – التي ما تشكِّل هدفاً نهائيا للسرد وتحقيقه يتوقف على قدرة السارد في إدارة سرده نحو هبوط مفاجىء عن معدل مستوى السرد فغي الجزء الأول . ووفق التوصيف الموجز الآنف الذكر لقدرة المفارقة في تحقيق الخطاب الجمالي والمعرفي للقصة القصيرة جداً سنتناول مجموعة القاص زيد الشهيد ( القصة القصيرة جداً ) حسب الموجهات البنيوية التكوينية .
( 3 )
وزَّع القاص قصصه القصيرة جداً على تسعة محاورة . وكل محور يضم مجموعة من القصص تدور في فضاء موضوعي واحد ؛ والجامع لهذه القصص هو عنوان المحور الذي امتلك بعداً دلالياً جعل القصص قطع رحمية منه . ففي محور ( مراثي الوجدان بين الشواهد ) اربع قصص يتضمنها مكان سردي واحد ( المقبرة ) تولّى السرد في قصة " وصية " السارد كلّي العلم فيما تولّى السرد في القصص الثلاث الأخرى " وفاء " و " مراثي الحزن " و " زيارة أخيرة " الضمير الغائب ( هو ) . وينهض السارد الكلي العلم في " وصية " باعتباره واحداً من الشخصيات المكونة للمسرود ليقترب من أشد الحالات سريّةً وخاصة التي يمر بها الوالد , لذا فإنَّ ضمير المتكلم في هذه االقصة مناسب جداً مع مجريات السرد الذي بدا متطابقاً مع افق توقع المسرود له . وقد حرص السارد على جعل المسرود له في منطقة مألوفية السرد ؛ وقد تحققت السردية ( شعرية القص ) في الخروج من السياق حين حقق القاص المفارقة التي كان للحرف المشبّه بالفعل ( لكن ) مهمة الهبوط عن مستوى السرد في الجزء الأول لتكون جملة : ( - لا تدفنوني إلى جوارها لأنها ستموت كمداً عليَّ لو وجدتنا ميتاً ) ص16 مفارقة واضحة .
ولعلَّ تكثيف مشاعر المرأة إزاء ولدها الذي حمله مضمون الجملة – المفارقة – يدفع للعودة إلى قراءة القصة ابتداءً للتعرف على مدى علاقة الأم بالإبن الذي نقلها السارد الكلي العلم . أما اليومي فهو تلك اللحظة التي بدأ فيها السارد يتذكر وفق اسلوب التداعي الحر الذي ينقطع عند بدء الجملة الأخيرة من الجزء الثاني للسرد : ( مرضَ أبي مرّةً ….. ) ولئن كان التذكّر الأول بعيداً فانَّ التذكّر الثاني الذي أنهى فيه السارد مسروده قريب ويقف عنده لينتهي السرد بتخليق المفارقة … أمّا في قصة ( وفاء ) فانَّ المسرود يتضمن وصفاً يومياً تمر به امرأةٌ حريصة على الزيارة اليومية لقبر حبيبها وزوجها لتبقى في حالة تواجد مستمر معه على مستوى إخلاصها للذكريات واعتمادها كسلوى لها . ولئن ظهر الجزء الأول من السرد قبل الجملة الأخيرة بعده سرداً اعتيادياً لم يغادر المألوفية أو الإخبار عن حالة المرأة فانَّ الجملة الاخيرة حققّت انحرافاً عن مسار السرد اثر سماع المراة ( صوت استغاثة يائسة أو نداء مخنوق يقول : متى تعودين ؟ ) وقد شكّل حدث سماع الصوت مفارقة على مستوى إخبارية الجزء الأول من السرد ؛ كما تشكل الجملة الأخيرة من القصة رد فعل إزاء الصوت المسموع في المقبرة .. أمّا في ( مراثي الحزن ) فان السارد ( الغائب ) يكشف عن موقف نقيض للمرأة في القصة السابقة ؛ فهي ( المرأة في مراثي الحزن ) لم تعد أسيرة ذكرياتها مع زوجها وقد فسَّر موقفها هذا جملة العجوز الأخيرة : ( سامحها يا ولدي فقد طال الفراق وخلا أفق عودتك بينما آفاقٌ أخرى تزخر ببريق القادمين ) ص18 . وقد كانت هذه الجملة متوازية مع الجزء الأول من السرد ولا يمكن اعتباره انحرافاً أو هبوطاً مفاجئاً في مستوى السياق السردي للجزء الأول ؛ فقد حاولت المرأة العجوز تبرير انقطاع المرأة عن زيارة زوجها بأن ليس هنالك سبيل لعودته للحياة . ولأجل أن تواصل المرأة حياتها فانَّ هناك ( آفاقٌ أخرى تزخر ببريق القادمين ) .. وفي ( زيارة أخيرة ) القصة الأخيرة ضمن حكائية ( المقبرة ) فان السارد الغائب يراقب بشكل متخيل حدثاً لحظوياً يمثل مفارقة تبدأ بالتشكيل المتخيّل ( وجدت كفّاً من عظام صغيرة وجلداً أعجفَ متيبساً بدا كما لو كان قد شقَّ الارض للتو ) ص19 فقد انحرف هذا المكوِّن عن مستوى السرد الاخباري الذي بني وفق الجزء الاول من المسرود حيث كوَّن هذا الخروج عن المعيار نصف مساحة المسرود .
وعلى الرغم من أنَّ المفارقتين في القصتين الأولى والثانية تدخل في بنائهما المفارقة السردية واللغوية إلا أنهما استطاعا أن يمنحا المسرود قيمة جمالية أكدتها القدرة على الامساك بفاعلية اللغة السردية وطاقتها في إدارة الحدث اليومي العابر وجعله في مستوى فنيّاً امتلك التأثير . وبامكاننا التوصل إلى اكتشاف البنى المشكّلة للقصص الاربع . ففي قصة ( وصي ) أنتجت القراءة بنية ( البر ) فوصية الابن الوحيدة هي ان لا يدفن بجانب أمّه ( لأنها ستموت كمداَ عليَّ لو وجدتني ميتاً ) وهذا بدوره يكوّن بنية ( الامومة ) فيما تنتج بنية ( الوفاء ) في القصة الثانية ( تحسسّت مكامن جروح ما زالت طرية فاغرة ، هي جراحها التي لا تريد لها أن تندمل ، ففيها بقايا سلوى ) . وتتيح قصته ( مراثي الحزن ) بنية استمرار الحياة ( سامحها يا ولدي ، فقد طال الفراق وخلا افق عودتك بينما آفاقٌ اخرى تزخر ببريق القادمين ) . أمّا البنية التي انتجتها القراءة لقصة ( زيارة أخيرة ) فهي بنية ( الاستبقاء ) عبر مركّب ظهور لفافة ورق الزيتون والحروف المحفورة عليها كلمة ( احبك ) … وبشكلٍ إجمالي بعد ضم البنى التي انتجتها القراءة للقصص الاربع واحالتها وربطها ببنية اكبر وأشمل وهي البنية السيسيولوجية تستنتج الرؤية السردية التي تشكّل رسالة المنشىء التي كوَّنها الوعي بالقائم وانتقاله إلى الوعي بالممكن . وبكلمة أخرى من الوعي ( السارد ) إلى الوعي الجمعي ( شريحة اجتماعية ) حيث المرأة باعتبارها بطلاً لجميع القصص هذا المحور وكذلك في التماسك الدلالي المعبر عنه في بنية النص ؛ كما أن النزعة الشمولية للنصوص والرؤية التي توصَّل إليها النص لا تأخذ معناها الحقيقي الكامل إلا إذا وضعت في المجموع . فرؤيا النص للعالم اتسمت بشموليتها وقدّمت بعداً جمعياً للحالة الفردية .
أما في المحور الثاني ( غوايات ) الذي يضم سبع قصص فان القاص يعدل عن بناء القص القصير جداً إلى بناء القصة القصيرة . فهنالك حدث مركزي يتطور ويتدخل الوصف في تقدم ادارة السرد الذي اعتمد البناء الدائري . فهو يبدأ من منطقة دخول طبيعي للسرد ذو زمن راهن لينتقل بعد حين إلى منطقة تذكرية يهيمن فيها الزمن الماضي المنتهي ثم يعود إلى منطقة السرد الأول ، والجامع الوحيد لهذه القصص السبع هو الغواية التي يقع ضحيتها شخصيات لا تتصّف بالسذاجة قدر انصافها بامكانية الدخول إلى مكانها بسهولة ويسر من يسهل عملية إغوائها وسقوطها بين براثن الاستغلال ، الخطيئة ، الحب . وبالامكان تحليل نموذج من هذه الغوايات وهو ( غواية أمّي ) .
تبدأ القصة برصد حالة الجدّة بعد غياب ولدها وهو والد السارد الكلي العلم وقد داخلها وهمُ عودتهِ وترقب الباب وهي تُطرَق من قبله .. ويرسم السارد مشهد لمقدم الأب ليلاً وهو بوضع مخالف تماماً لما يكون عليه في صحوهِ . فهو يشتم زوجته ويوسعها ركلاً ثم يدلف إلى غرفة والدته ليخض لها جناح الذل عرفاناً بجميلها ( لو كنتَ في فترة صحوك هكذا لكانَ رضائي عنك ليس له حدود ) ص26 . ثم يعود السارد بالذاكرة لحا والده قبل غيابه .. خاضع لزوجته ؛ لا يرد لها طلباً . معاند لأمّه وكثيراً ما يتشاجر معها . ويقطع السارد هذا المستهل الاستذكاري ليستمر في رواية احداث القصة التي تركّز على غواية الأم وسقوطها في غواية الشيطان . فهي تخرج دائماً من البيت ( تبرح أمّي المنزل / تغيب لساعات ثم تعود محطّمة …. ) ص27 ثم تقرر ترك الدار بلا عودة ؛ إلا أن الأب يعود من غيابه وهو في حالة مزرية ( بيد أن وجهه شرع يتغضَّن ،وشعر رأسه يشيب سريعاً ) ص27 . لقد حرص القاص على التتابع الاركلوجي للحدث / غياب الأب – غواية الام – تركها للبيت – بقاء السارد وأخته مع الجدّة – عودة الاب ، حيث لم تجرِ عملية خرق لمستوى السرد وهبوطه إلى خلق المفارقة . فالقصة لم لؤكد موت الأب بل غيابه فقط وهذا يعني تتوقع عودته فقد خمنت ومهدت الجدة لذلك ( انسوا أن لكم أمّاً ، فأبوكم سيعود ليعوضكم فقدها ) ص27 . أضف إلى ذلك أن السرد لم يكن رصداً لحدث لحظوي أو لما هو يومي بل هو تكثيف تعبيري واختزال زمني لفواصل كثيرة كان من الممكن أن تقع بين غياب الأب وعودته إلا أن لغة السرد تمكنت من تقديم قصة قصيرة قادرة على تحقيق تماسك دلالي بين أجزاء القص المتداخل وتأكيد على رؤية القاص لتحقيق الأفعال المتضادة بين ترك الأم للبيت وعودة الأب في الوقت المناسب ليكون الحاضنة السليمة للطفلين ( فرحنا لمقدمه ، حنوناً أصبح مع جدتي / حنوناً معنا ) ص27 .. وفي ( توهجات أطياف نائية ) التي تضمن ثلاث قصص ( بهاء أثيري ، اكتشاف ، امرأ باكية ) تولّى الضمير الغائب سردها فانها تدور في فضاء واحد والشخصية الرئيسية فيها هو الطفل الذي يفقد أمّه وما يمكن أن يتركه هذا الفقدان من أثر نفسي في حياة الطفل . ففي القصة الأولى يفقد الطفل امّه التي ماتت ويظل يحلم بوجودها الدائمي معه عبر تأمله في السماء يراقب نجومها المتلألئة من بينها أمّه ليسابق في حلم أثيري شفّاف يجد فيه بعض العزاء لفقدانها ؛ إلا أن المفارقة السردية حصلت عند ظهور صوت غابيظ من شبح امرأة متعجرفة وبشكل مفاجىء ليقطع عليه حلمه وليكرس في الوقت ذاته معاناته من زوجة الأب ( لماذا تجلس هنا يا ولد هل مسك الجنون ؟ ) ص34 …
أمّا في القصة الثانية ( اكتشاف ) فان الولد الصغير يكشف عن حاجته لأمومة لها طعم الحنان العسلي وهمس الشفاه الودود إلا أنّه فقدها بفقدانه لأمّه التي تحتضن أشياءها الغرفة المغلقة على سطح الدار .. وإثر تسلله لتلك الغرفة وعثوره على صورتها التي تراكم فوقها غبار عتيق يرسم السارد مشهداً متخيلاً تخرج فيه الأم من اطار الصورة وتحتضنه ثم يدخل في اغفاءةٍ يقطعها صوت امرأة من اسفل الدار لتخلق المفارقة … وفي القصة الثالثة ( امرأة باكية ) فان الصبي يعاني من فقدان امّه المطلقة ليكون الأب في موضع الند للصبي ومصدراً لخوفه هذا في ذكر أمّه التي جازفت في الحضور إلى الزقاق لرؤيتخ إلا أنها تفاجأ بغضب الأب فتغادر من دون أن ترى ولدها . وكان من الممكن تخليق مفارقة في هذه القصة لولا بعض الجمل التي تكشف عن هوية المرأة التي شاهدها الصبي وهي في طريقها إلى الزقاق . فمن بداية القص تكشف اللعبة القصصية التي كان من الممكن اخفاؤها ( والصبي النحيف الذي ادهشته رؤية المرأة تخطو باكية / منتحبة سيكتشف بعد قليل أنها أمّه ) ص36 وفي مكان آخر ( الصبي الذي سيكتشف أنها امّه تساءل بألمٍ عن سرِّ بكائها في هذا اليوم الربيعي . ) ص36 ، كما أن القصة انتهت بجملة فائضة كشف مضمونها السياق السردي المكثف ( تتساءل بألم : لماذا تحرمني من ولدي ، لماذا أيها الظالم المتجبّر ؟ ) اضافة إلى عدم قدرة هذه الجملة من الناحية الجمالية تحقيق فعل المفارقة السردية .
وفي محور ( من ترانيم الحصار ) يوزع القاص ثلاثة أحداث في مكانٍ واحد وهو طابور الحصول على المساعدات الغذائية وبلغة سردية مكثفة كشفت عن قدرة القاص في إدارة سرد الحدث عبر لغة منبثقة بعيدة عن تفاصيل اللغة الاخبارية . حيث تمكن من ادارة تخليق المفارقة التي تميّزت في جمع القصص بالأسى المر الذي كان يعانيه العراقيون وخاصةً النساء للحصول على ما يسد رمق أطفالهن ، وما كان يعانين من أجل ذلك . وقد نجح القاص في هذا المحور ايضاً فطرح رؤية شمولية بوعي فردي لحالات فردية اتسمت بجمعيتها . وبذا فق انتقل الوعي بالقائم إلى الوعي بالممكن وعبر التماسك الدلالي للأحداث والبناء النفسي للشخصيات فقد استطاع أن يختار نماذجه بحذق ومهارة تجسدت في الكشف عن المدهش في الواقع حسب خرايشتكو . أمّا في محور ( امّهات ) الذي ضم ثلاث قصص بدون عنوان فقد توضحت بنية الفجيعة في جميعها وتحديداً فجيعة فقد الابناء وبصرف النظر عن ظروف الفقدان فانَّ القاص نجح في تقديم سرد مكثّف على الرغم من حاجة هكذا قصص إلى تفصيل وصفي . فليس هنالك حدث بقدر ما هو رصد وكشف لحالة المرأة المفجوعة ، وقد أحالت جميع القصص إلى نظرة شمولية لواقع المرأة العراقية . كما نجحت المفارقة السردية في انقاذ السرد من مألوفية التوقّع . ففي القصة الاولى كانت المفارقة على شكل تسلؤل ( لماذا كل هذا الحيف ، يا ربّي ) متخذةً شكل المفارقة اللغوية التي كانت نتيجة لواقع السرد . وفي القصة الثانية يستلهم المتلقي في انتاج المفارقة بعد حرف الاستدراك . ولكنها …. ) تاركاً إملاء الفراغات من قبل المتلقي . وفي القصة الثالثة اتخذت المفارقة إنتاج فعل ( انهضي وافتحي الباب ، لا تدعيه يُتعب صوته بالنداء ) ص54 .. وفي الـ ( حكايات عن الغرف المعلقة ) تظهر بنية ( العزلة ) كبنية مهيمنة في مجرى السرد حيث أسهم الوصف المكثّف والمشتغل في العناوين ( إحباط ، خواء ، حطام ، اشراقات غاربة ، مجاهيل ) في تكريس هذه البنى بعدها معبرة عن ما وراء الشخصيات النسائية من تكوين نفسي واجتماعي ، ويُظهر أثر المفارقة السردية في نهاية القصص في تحفيز المتلقي على إنتاج دلالات لا تقدم العلاقة العلاقة بمجريات السرد في الأجزاء الأولى من القص .
من خلال ما تقدّم نستنتج ما يلي :
1- اعتماد المفارقة باعتبارها خروجاً عن مستوى السرد ( مكوناً للجزء الثاني تكرس من خلاله رؤية القاص ) .
2- اعتماد الوصف المكثّف القائم بمهمة تكوين الجزء الاول من السرد عبر جمل فارقت في احايين كثيرة معايير النثر الاخباري .
3- وجود النظرة الشمولية التي كونتها عملية انتقال الوعي القائم إلى الوعي بالممكن المجسد لرؤية سيسولوجية تبحث دائماً عن إحالات خارج السرد .
4- غياب التخييل كمدخل من المداخل إلى الواقع ووضوح الرؤية السردية لتفاصيل الواقع واختيار المدهش منه الذي يصل أحياناً إلى مستوى الغرائبية والخيال .
5- تكريس الوضع النفسي والاجتماعي للمرأة العراقية والطفل العراقي . ويلاحظ إحباط هذه الشخصيات التي مارست فعل البطل في جميع محاور المجموعة القصصية . وتلاحظ هيمنة الشخصيات النسائية في أغلب قصص المجموعة وقد عكس هذا الاهتمام والتكريس وعياً من قبل القاص للظاهرة الاجتماعية ومكوناتها .
6- تميزت لغة القص بقدرة على تكثيف الوصف السردي والابتعاد عن الجمل الفائضة عن حاجة الحدث وكذلك بناء المفارقة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























