الشاعرة أم الخير الباروني
كتبهاالشاعر والصحافي خالد درويش ليبيا ، في 2 أغسطس 2007 الساعة: 18:05 م

أم الخير البار وني كان من الصواب أن نطلق عليها صاحبة الصوت القادم من بعيد وعلى مهل ،فهي التي ظهرت منذ أوائل التسعينيات كنص أنثوي متميز بين كوكبة من الشاعرات الشابات لكنها لم تكن في عجلة من أمرها سواء على مستوى المشاركة في التظاهرات الثقافية التي تقام بين الفينة والأخرى في مدن وقرى ليبيا أو حتى على مستوى النشر أو إصدار ولو ديوان شعري يجمع شتات ما ألقته أو نشرته عبر الدوريات المحلية التي كانت في حاجة إلى صوت متميز وخصوصا لمثل نصوص هذه الشاعرة ، لكن كل هذه الأشياء أو العوامل لم تؤثر في حركة التصاعد لوتيرة النص عند هذه الشاعرة التي استطاعت بدأب وصبر أن ترسم ملامح نصها بشكله المتميز على خارطة القصيدة الشعرية النسائية في ليبيا حتى إنك لا تكاد تقرأ المقطع
الأول من النص لتعرف بأنك تقرأ نصا لشاعرة متمهلة وهادئة بإيقاع مختلف في كل شئ كهدوء الشاعرة أم
الخير الباروني .. . كما أنها من الشواعر اللاتي كان لهن أثراً كبيراً في نصوصها وليس العكس كما يحدث عند البعض وهو أمر يحسب لصالحها على أية حال وقد يطول الحديث حول هذه الإشكالية فيما يخص أثر الشاعر على النص أو أثر النص على الشاعر حيث تختلف نسبة التقدير من شاعر إلى آخر ومن مسألة لأخرى …
إلا أننا ونحن بصدد الحديث عن صوت شعري ليبي أنثوي ومختلف فلابد لنا من الوقوف على مقاطع نص تسأولات الذي تقول فيه أم الخير الباروني :
أتساءل عن لون العتمة
عن لون الأمل المتعلق
بأذيال الظلمة
عن لون العشب النامي
بعد أن تهطل سحب
الأوهام
بعد أن تشرق شمس
الأحلام
أتساءل عن لون
الأحلام
عن لون ضفاف
ذاكرتي
ومرافئ شظآن النسيان ..
وهنا يعترينا إحساس غامض ومهم ليس خوفا من تشظى الأسئلة وروحها الانشطارية التي قد تصيبنا بحالة إرباك وإنما من جرأة هذا النوع من الأسئلة التي تضمر غرابتها من خلال انتشارها الأفقي إلى أماكن وفضاءات قد يصعب الوصول إليها وبالتالي يصعب فك طلاسمها ،ذلك عندما تحدد ألوان الأشياء وربما أشكالها وأحجامها كالحلم والأمل اللذين لا تنطبق عليهما أي من هذه الصفات والألوان ، ثم إن الوهم الذي لم يأت عابرا هذه المرة وإنما بدأ يهطل مدرارا لولا بصيص من الأمل الذي أطل من بعيد وهي الحالة أو الفرادة التي يتميز بها الشاعر عن غيره لخلق البدائل لحالات اليأس والقنوط واستشراف الحلم الذي لابد وأن تشرق به الشمس رغم حالة الريبة بين الشك واليقين التي تنتاب الإنسان
على شكل مجموعة من الأسئلة المشروعة التي تولدها اللحظة الراهنة عن لون الحلم مثلا أو العودة إلى مخازن الذكريات وربما شواطئ النسيان .
لكننا نجد في أنفسنا في المقطع الموالي أمام شهرزاد ليبية تفتح لنا خزائن أسرارها حينما تقول :
ذات ليلة
شددت الرحيل
نحو القمر
بوابة الشوق
ومشجب الأحزان
صافحه قلبي
شهق بعبرته
وبكي
وحدثني
عن أرق البحر
ترى ..!
ما سر بكاء القمر ..؟
ما لون دموعه …؟
البارحة
قابلني بنصف
وجه
بدا كئيبا
همست بابنة
الريح
فسرت بأطياف
إليه
أمسكت بذقنه
ليطالعني
فامتنع
وبكيت .
هذه الرحلة لم تكن بالرحلة التي قد نتصورها حيث ينطلق الركب من نقطة ما ،ليبلغ مراده في مسيرة يقطع خلالها الجبال والو هاد والبرور والبحور رغم أن الشاعرة أم الخير الباروني تبدأ نصها بشد الرحال نحو القمر وهو أمر مازال يحتاج حتى وقتنا الحاضر إلى مراكب فضائية وصواريخ وأقمار صناعية … لكننا نكتشف ومن خلال المقطع الموالي أن القمر لم يكن إلا معنى مجازيا هذه المرة حيث إن بوابات الشوق ومشاجب الأحزان لا تؤدى في العادة إلى القمر المعلق في سماء دنيانا منذ ملايين السنين بل إن القمر هو الذي صافحه قلب الشاعرة ثم شهق بعبرته وبكى كما أنه حدثها عن أرق البحر وهو ما يجعلنا نستدعي المثل الشعبي القائل على لسان العشاق (كان ما يرقد موج البحر ) كناية عن الأرق الطويل لكن حالة الإرباك التي تضعنا فيها الشاعرة بتوجيه سؤالين كان من الأجدر بها أن تجيب هي عنهما والمتعلقين بسر بكاء القمر ولون دموعه وهي الاجدر بالإجابة عنهما لتكتمل حكاية شهرزاد لتلك الليلة .
إلا أنها كشهرزاد حقيقية تستمر حكاياتها عندما تبدأ المقطع الثاني من هذا النص بكلمة (البارحة ) لنستمع إلى بقية الحكاية فالعشاق والمحبين هم أكثر الناس حرصا واستعدادا للقاء الأحبة وهم أحرص على تفرس ملامحهم ، أما أن يقابل الحبيب حبيبته بنصف وجه فالأمر هنا لا يستحق التأكيد من قبل الشاعرة بالقول : كئيباً …
لتسترسل عقب ذلك في سرد بقية الحكاية حتى تنتهي بانهمار دموع الحبيب ربما شوقا أو ربما فرحا لأن الدموع في العادة ليس بالضرورة أن تكون دليلا عن الحزن .
في المقطع الأخير من نص تساؤلات تقول الشاعرة:
هذا المساء
والمطر ثرثارا عجوز
يهمهم في خفوت
يملؤني اشتهاء
لأن نكون معا
وأنت ………..
بعيد ……….
بعيد كالغد
قريب كهمس
الذكريات
وأنا لحظة
احتضار
قلقة
قطرة . .قطرة .
وهنا لم تسكت الشاعرة عن الكلام المباح ليس لأن الصباح لم يدركها بعد بل أن وتيرة السرد اختلفت حيث بدأ الكلام موجها للحبيب هذه المرة بعد التقاط عدة صورة شعرية رائعة للمطر وهو يثرثر طيلة المساء خلف النوافذ وعلى وجوه الطرق وعلى ضهور الشوارع حيث الحنين والشوق لحالة التوق وخوض مغامرة السير تحت زخات المطر في صورة شعرية غاية في الجمال بلقطات بعيدة للغد وأخرى قريبة بهمس الذكريات بينما تتلبس الشاعرة لحظة الاحتضار القلقة لا الانتظار المتعارف عليه من جنس السائد والمكرر وهي تذوب في الوقت نفسه وجدا كما تذوب قطرات المطر بمجرد ملامستها للأرض قطرة وراء أخرى…………
وقبل أن نواصل الحديث عن النص الموالي للشاعرة أم الخير الباروني ينبغي القول بأن الاقتراب من نصوص هذه الشاعرة كان مغامرة جميلة محفوفة بالشجن مفخخة بالمطبات العاطفية الجياشة مطرزة بالصورة الشعرية الأخاذة ،ولابد هنا ومن باب الالتزام الأدبي من الاعتراف بان ما سبق وأن قرأناه لهذه الشاعرة فيما مضى أو حتى ما استمعنا له في العديد من الأمسيات الشعرية التي شاركت فيها لم يكن كافياً بالقدر الذي أعطته لنا هذه الفرصة للاقتراب منها بشكل أفضل حيث تقول في نص ( تحت لحاف الضوء ) :
تحت لحاف الضوء
نتسامر
وبوح الفجر المتخافت
ينسج
من قصص الأحلام
مهدا
احتفاء بطفل
مرتقب .
في لقطة عامة يغمرنا الإحساس بجمال الأشياء –قمر – فجر – وقصص – احتفاء بحدث سعيد وهي تفاصيل نكتشفها تباعا كلما اقتربنا أكثر لاكتمال الصورة باكتمال الحدث تم الحلم الذي كان إطاراً جميلا لهذا المقطع الرائع .
دعونا الآن ننتقل إلى المقطع الذي يليه والذي يقول:
تحت وسائدتي
شاطئ وحلم
تحت عراء الليل
تغمرني
دفق اللحظة المتقدة
فيتأمل الصمت
مترقبا
ستائر الضوء المرتبكة .
في هذا الحوار الممتع بين الشاعرة والمتلقي تنقلنا إلى مرحلة جديدة من السرد الإبداعي بعد أن يدفعنا الفضول المعرفي لاكتشاف ما تحت وسادة الشاعرة في العادة والذي لن يتعدى في الغالب حقنه من الأحلام أو قبساً من أمل يتمثل في امتداد الشواطئ اللامتناهية لكن عراء الليل ودفقة اللحظة المتقدة وانهمار الصمت كان كافيا لانطلاق خيال الشاعرة بدون قيود ولا ضوابط .
في المقطع الأخير من نص (لحاف الضوء) تقول الشاعرة :
تحت ظل الحزن
اتفيأك غيما
تمطر
بأعماقي
فتخضب
بكروم …ونخيل
وخمائل غبطة
فيما الظل
يتشخص …يتشخص
يتخلل بصري .
وهنا يبلغ النص ذروته حيث ترتفع وتيرة البوح رغم سحابة الحزن الشفافة التي تلف هذا النص بشكل عام ذلك عندما تحاول الشاعرة تأثيثه بما يتلاءم وحالة الفقد التي يعيشها العاشق المتيم الذي ينتظر غائبا ،فالظل يعنى بديلا للهجير والغيم والمطر عوضا عن اليباب والتصحر ،أما الخصب والكروم والنخيل فهي أشياء مرادفة للنمو والحياة وهي طبيعة الأشياء مما يعني الإيمان المطلق بالأمل وإرادة الحياة ….
شاركت في معظم الأمسيات والندوات الشعرية داخل الجماهيرية ، حضرت العديد من دورات مهرجان زلة للشعر والقصة .
وهي الشاعرة المؤسسة لمهرجان زلطن للشعر الذي وصل تجاوزدورته السابعة.
صدر لها ديوان شعري بعنوان (جدائل الحلم) ، أصدرته على حسابها الخاص .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























