رواية «القوة الخفية» للهولندي كابيروس..
كتبهاالشاعر والصحافي خالد درويش ليبيا ، في 2 أغسطس 2007 الساعة: 18:13 م

خليل التقي / دمشق يكاد الأدب الهولندي يكون مجهولاً بالنسبة للقارئ العربي، وتأتي سلسلة الترجمات الهولندية «توليب» التي أصدرتها دار إيمار للنشر في دمشق بالتعاون مع مؤسسة إنتاج وترجمة الأدب الهولندي كمحاولة لسد هذا النقص، والكتاب الذي بين أيدينا هو الكتاب الخامس من هذه السلسلة وقد صدر في العام 2004، لكن عدم توفّر هذه الكتب إلا على نطاق ضيّق حال دون أن يعرف بها حتى المهتمون.
قدّمت هولندا للعالم عدداً من المبدعين الأفذاذ في الفنون التشكيلية من رامبرانت الى فان كوخ، كما قدّمت عدداً من الفلاسفة العظام من أمثال إرازموس وغروتيوس وسبينوزا، لكن لم يكن لأي شخصية أدبية خرجت منها إشعاع كوني، رغم وجود كتّاب كبار مثل كابيروس ونوتبوم، ويأتي هذا العامل مضافاً الى ندرة المترجمين عن اللغة الهولندية (هذه الرواية مترجمة عن الانكليزية)، ومحدودية حركة الترجمة في العالم العربي وعشوائيتها.
لويس كابيروس مؤلّف الرواية من الشخصيات البارزة في الأدب الأوروبي، ولد في لاهاي عام 1863، قضى معظم شبابه في أندونيسيا، حيث تدور أحداث عدد من رواياته، كما قام بعدد من الرحلات الى إيطاليا وافريقيا والصين والتي ظهرت انطباعاته عنها في عدد من مؤلفاته. توفي كابيروس في العام 1923.
الخلفية التاريخية للرواية هي الفصل ما قبل الأخير من التجربة الاستعمارية الهولندية في أندونيسيا، وتستمد رواية «القوة الخفية» الصادرة عام 1900 عنوانها من القوة الدفاعية الغامضة التي امتلكتها المستعمرات ضد سيطرة الرجل الأبيض، هذه القوة الملتبسة التي تتكون من مقاومة سلبية صامتة ومناخ طبيعي شاق يصعب التأقلم معه، ومن طبقات من المعتقدات والموروثات الحضارية التي يصعب اختراقها وإعادة تشكيلها مهما طال أمد السيطرة، وهو في حالة أندونيسيا يزيد عن 3 قرون من الحكم الهولندي. وقد تتخذ هذه القوة صورة الخوارق أو شكلاً من التآكل الداخلي الذي يشعر به المستعمر، وقد تلتبس مع سكون ظاهري مقلق لا يكون سوى الهدوء الذي يسبق العاصفة.
وليس مصادفة أن نجد معادلات لهذه القوة في عدد من الروايات الغربية الكبرى التي تناولت الاستعمار، ففي الأدب الانكليزي لدينا رواية «عبور الى الهند» لـ إي.إم.فورستر، والرواية الشهيرة «قلب الظلام» لجوزيف كونراد التي تتخذ من افريقيا ساحة لأحداثها، وصولاً الى رواية الترينيدادي ـ البريطاني ف.س.نايبول «نصف حياة» التي تتحدّث في جانب منها عن الاستعمار البرتغالي لموزامبيق. وفي الأدب الفرنسي رواية «الغريب» لألبير كامو التي تجري أحداثها في الجزائر مثال معروف، رغم أنها طالما قرئت كرواية وجودية بطلها إنسان كوني.
بطل الرواية هو الموظف الاستعماري الكبير فان أودييك، الذي يمكن اعتباره آخر ممثل للعصر البطولي للاستعمار، فهذا الرجل الذي يشعر عن اقتناع برسالة يؤديها الرجل الأبيض في هذه القارات البعيدة هو نتاج البرجوازية وفكر التنوير، فهو العقلاني العلماني العملي الذي يحيط نفسه بمتع الفنون ومتع الملكية، ويفرض نظاماً وتقاليد صارمة في بيته ونمط حياته، ويدير مؤسسته بعقلية مدمن عمل يقف عند كل تفصيل ولا يرحم مرؤوسيه، ولا يترك مجالاً للفوضى ولا يترك شيئاً للمصادفة.
تشكّل العناصر الطبيعية من مناخ ومكان حضوراً بارزاً في الرواية، وينقلها لنا الكاتب عبر لغة وصفية وشاعرية في آن، وتلعب هذه العناصر دوراً ضاغطاً على مزاج هذا الرجل القوي، فالطبيعة الأندونيسية التي تظهر لنا رحبة عظيمة، هائلة وغنية، فيها السحر وفيها العصف والمفاجأة، فيها الجمال الأخّاذ وفيها الغموض والرعب، تحيط بفان أودييك من كل جانب.
رغم ادعائه أنه يحب هذا البلد ويعتبره بلده، ورغم اعتقاده أنه تجاوز التأقلم معه الى السيطرة عليه، فوريث الثقافة العلمية الحديثة التي كانت السيطرة على الطبيعة معلماً بارزاً من معالمها، يرفض أية تفسيرات غير علمية لأية ظاهرة، ويرفض فكرة أن هناك قوى عصية على الإدخال في نسق مترابط، وعصية على الفهم؛ إلا أن فان أودييك يجد الكآبة تتسلل الى نفسه، فالرجل الذي جعل من فكرة الواجب صنماً له، لم تستطع كل نجاحاته وكل قوّته وسطوته أن تمنحه الرضى.
نتعرّف الى أسرته فنجد أولاده بعيدين عنه نفسياً، وزوجته تقيم في مدينة أخرى باحثة وراء نزواتها، وقد جعلت من المتعة الأنانية مدخلها الوحيد للتعامل مع العالم، لا يهتزّ لها جفن مهما حدث ولا تبالي بشيء.
ليوني الزوجة الجميلة الشابة، والتي لا نجد على طول الرواية أي موقف حميم بينها وبين زوجها، هي الزوجة الثانية لفان أودييك، بعد زوجته الأندونيسية التي طلّقها والتي أنجب منها أولاده الأربعة: هم الشاب ثيو والفتاة دودي والصغيران رينيه وريكوس اللذان يقيمان مع ليوني. لليوني علاقة مع ابن زوجها ثيو، كما يعلم الجميع فعلاقاتها العابرة الكثيرة، لكن هذه المرأة الشبقة والملولة لا يعنيها كلام الناس عنها مادام يُقال خلف ظهرها، ولأنها تتمتع بسحر خاص فلم يكن أحد من الجنسين يستطيع أن يؤذيها بكلمة في وجهها.
كما في العديد من التجارب الاستعمارية، حافظ الهولنديون على الحكّام المحليين، لكنّهم وضعوا الحاكم الهولندي في مكانة أعلى من المحلي الذين أرادوا توظيف مخزونه الرمزي لدى السكان، دون أن يمنحوه سلطات حقيقية، وإن منحوه بعض المزايا.
يترحم فان أودييك على أيام البانجران العجوز، الذي ورثه في الحكم ابنان أحدهما متعصّب (ويبدو أن المترجم قصد أنه متدين)، والآخر مقامر سكير عربيد. يجد فان أودييك أن لا فائدة ترتجى من كليهما، وهو سينتهي الى عزل الحاكم المقامر، وسيتحمّل الحاكم المتعصّب على مضض، مستعملاً معه التهديد تارة والدبلوماسية تارة أخرى، لاسيما مع بدء حدوث بعض الظواهر الغريبة التي يجد فان أودييك أن الهدف منها هو زعزعة الاستقرار، والتي جاءت بعد عزل الحاكم المقامر، ويعتقد أن الحاكم الأخ ووالدته هم من يقفون وراءها.
الابنة دودي تحبّ الفتى الفاتن آدي، التي تقيم زوجة أبيها علاقة معه، لكنها تتخلّص من ورطة اكتشاف زوجها لهذه العلاقة، بتوريط آدي بالزواج من دودي. التدهور الذي تصل إليه أوضاع عائلة فان أودييك، وشعوره أن الجميع تخلّوا عنه، إضافة الى توسع الظواهر الخارقة، ودفعه والجميع من حوله الى ما يشبه الجنون، كل ذلك يحطّم إرادته الحديدية وطموحاته ويقوده الى نوع من الانهيار، فيختفي ويسكن في منطقة بعيدة مع عائلة أندونيسية، ويبدو وكأنه قد خضع لهذا البلد الذي جاء لإخضاعه، رغم الواجهة البرّاقة من النيات الطيبة التي يتقدّم من خلالها، ويقارب مسألة الاستعمار عبرها والتي تتكشّف عن أكاذيب، فنجده في آخر الرواية يقول لإيفا ألدرسما ـ السيدة المثقفة التي حاولت جاهدة أن تحب أندونيسيا، إننا لسنا سوى قراصنة بربريين يسيرنا الجشع.. ونراه في هذه اللحظة يدين أسلافه أصحاب الشركة الامبراطورية، شركة الهند الشرقية الهولندية، الذين جاؤوا قبل قرون ليمتصوا دماء هذا البلد الضخم ذي الحضارة العظيمة التي تحمل طابع (الكياسة والبهاء)، والذين أدرك ورثتهم في نهاية المطاف أنّهم ليسوا سوى تجّار أقزام وأصحاب دكاكين ضيّقي الأفق، يشعرون بالضياع والصغر في هذه الجغرافيا الهائلة التي تختزن طبقات من التاريخ العريق.
تنتهي الرواية بمشهد لحجّاج قادمين من مكّة، احتشدت الجموع في محطة القطار لاستقبالهم، وخلافاً للأندونيسي المتحفّظ الذي ظهر في الرواية، نجد الحشود هنا في حالة من النشوة الاحتفالية والهتاف، ويطل حاج منفرد باللباس الأبيض، حاج تجول عبر صفحات الرواية، كان البعض يراه في الليالي المظلمة في البرية فيظنه شبحاً، فالبلد الإسلامي الأكبر، يشكل الإسلام عصباً في قوته الخفية التي حيرت فان أودييك، رغم الإشارات الطفيفة للدين في النص، وإشارات أقل للعرب، كالحي العربي، ورجل عربي في أحد المشاهد.
الأنوثة أيضاً وجه من وجوه القوّة الخفية، التي جعلت فان أودييك يشعر أنه منزوع الأسلحة أمامها، رغم ما تمثله اللبوة ليوني من نموذج سلبي، فالإيروسية قوة مهددة لمختلف أنظمة السيطرة، وإن كان الكاتب قد ركّز على القوة الروحية للبلد المستعمر، لذلك فاعتبار الأنوثة جزءاً من القوة الخفية استنتاج جانبي. بالمقابل يمكن اعتبار قيمة المتعة التي مثلتها ليوني إحدى نتاجات الحضارة الغربية وتجلياتها في آخر مراحلها، والتي تعمل كقيمة مهدّدة لقيمة الواجب.
الترجمة كانت لافتة في دقة مفرداتها وبلاغتها، وفي نقل الأجواء الشعرية المتقلّبة للمشهد الأندونيسي، وفي عرض الحالات النفسية المختلفة، لكنّها لم تراع علامات الترقيم الصحيحة دائماً، كما لم تنقل التوظيف الذي عرف عن كابيروس في استعمال هذه العلامات. ونلاحظ أن قوّة الجمل المنفصلة فاقت قوة تماسك النص الإجمالي وحسن سبكه. ويبقى أن نذكر أن الطبعة تميزت بهوامش وافية وضرورية تتعلّق بتفاصيل مختلفة للحياة الأندونيسية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























